فخر الدين الرازي
84
تفسير الرازي
الكفر إن لم تكن صالحة للإيمان ، فخالق تلك القدرة يكون مريداً للكفر ، وإن كانت صالحة للإيمان ، فخالق تلك القدرة يكون مريداً للكفر ، وإن كانت صالحة للإيمان امتنع صدور الكفر عنها بدلاً عن الإيمان إلا عند حدوث داعية جازمة ، فخالق تلك الداعية الجازمة يكون مريداً للكفر ، فثبت أن على جميع التقادير : لا يملك العبد لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله . أجاب القاضي عنه بوجوه : الأول : أن ظاهر قوله : * ( قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ) * وإن كان عاماً بحسب اللفظ إلا أنا ذكرنا أن سبب نزوله هو أن الكفار قالوا : يا محمد ألا يخبرك ربك بوقت السعر الرخيص قبل أن يغلو ، حتى نشتري الرخيص فنربح عليه عند الغلاء ، فيحمل اللفظ العام على سبب نزوله ، والمراد بالنفع : تملك الأموال وغيرها ، والمراد بالضر وقت القحط ، والأمراض وغيرها . الثاني : المراد لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً فيما يتصل بعلم الغيب ، والدليل على أن المراد ذلك قوله : * ( ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ) * الثالث : المراد : لا أملك لنفسي من الضر والنفع إلا قدر ما شاء الله أن يقدرني عليه ويمكنني منه ، والمقصود من هذا الكلام بيان أنه لا يقدر على شيء إلا إذا أقدره الله عليه . واعلم أن هذه الوجوه بأسرها عدول عن ظاهر اللفظ ، وكيف يجوز المصير إليه مع أنا أقمنا البرهان القاطع العقلي على أن الحق ليس إلا ما دل عليه ظاهر لفظ هذه الآية ، والله أعلم . المسألة الثالثة : احتج الرسول صلى الله عليه وسلم على عدم علمه بالغيب بقوله : * ( ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ) * واختلفوا في المراد من هذا الخير . فقيل المراد منه : جلب منافع الدنيا وخيراتها ، ودفع آفاتها ومضراتها ، ويدخل فيه ما يتصل بالخصب والجدب والأرباح والأكساب . وقيل : المراد منه ما يتصل بأمر الدين ، يعني : لو كنت أعلم الغيب كنت أعلم أن الدعوى إلى الدين الحق تؤثر في هذا ولا تؤثر في ذاك ، فكيف اشتغل بدعوة هذا دون ذاك . وقيل : المراد منه : ما يتصل بالجواب عن السؤالات ، والتقدير : لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير . والجواب : عن هذه المسائل التي سألوه عنها مثل السؤال عن وقت قيام الساعة وغيره . أما قوله : * ( وما مسني السوء ) * ففيه قولان : القول الأول : قال الواحدي رحمه الله : تم الكلام عند قوله : * ( ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ) * ثم قال : * ( وما مسني السوء ) * أي ليس بي جنون ، وذلك لأنهم نسبوه إلى الجنون كما ذكرنا في قوله :